فخر الدين الرازي
43
تفسير الرازي
الواقعة أو إلى النجاة أي جعلنا الواقعة أو النجاة آية للعالمين . قوله تعالى * ( وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . لما فرغ من الإشارة إلى حكاية نوح ذكر حكاية إبراهيم وفي إبراهيم وجهان من القراءة أحدهما : النصب وهو المشهور ، والثاني : الرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم ، والأول : فيه وجهان أحدهما : أنه منصوب بفعل غير مذكور وهو معنى أذكر إبراهيم ، والثاني : أنه منصوب بمذكور وهو قوله : * ( ولقد أرسلنا ) * ( العنكبوت : 14 ) فيكون كأنه قال وأرسلنا إبراهيم ، وعلى هذا ففي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( إذ قال لقومه ) * ظرف أرسلنا أي أرسلنا إبراهيم إذ قال لقومه لكن قوله : * ( لقومه اعبدوا الله ) * دعوة والإرسال يكون قبل الدعوة فكيف يفهم قوله ، وأرسلنا إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلاً قبله ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الإرسال أمر يمتد فهو حال قوله لقومه اعبدوا الله كان مرسلاً ، وهذا كما يقول القائل وقفنا للأمير إذ خرج من الدار وقد يكون الوقوف قبل الخروج ، لكن لما كان الوقوف ممتداً إلى ذلك الوقت صح ذلك الوجه الثاني : هو أن إبراهيم بمجرد هداية الله إياه كان يعلم فساد قول المشركين وكان يهديهم إلى الرشاد قبل الإرسال ، ولما كان هو مشتغلاً بالدعاء إلى الإسلام أرسله الله تعالى وقوله : * ( اعبدوا الله واتقوه ) * إشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره فقوله : * ( اعبدوا الله ) * إشارة إلى الاثبات ، وقوله : * ( واتقوه ) * إشارة إلى نفي الغير لأن من يشرك مع الملك غيره في ملكه يكون قد أتى بأعظم الجرائم ، ويمكن أن يقال : * ( اعبدوا الله ) * إشارة إلى الاتيان بالواجبات ، وقوله : * ( واتقوه ) * إشارة إلى الامتناع عن المحرمات ويدخل في الأول الاعتراف بالله ، وفي الثاني الامتناع من الشرك ، ثم قوله : * ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) * يعني عبادة الله وتقواه خير ، والأمر كذلك لأن خلاف عبادة الله تعالى تعظيم وخلاف تقواه تشريك وكلاهما شر عقلاً واعتباراً ، أما عقلاً فلأن الممكن لا بد له من مؤثر لا يكون ممكناً قطعاً للتسلسل وهو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله ، وأما التشريك فبطلانه عقلاً وكون خلافه خيراً وهو أن شريك الواجب إن لم يكن واجباً فكيف يكون شريكاً وإن كان واجباً لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب ويتباينان في الإلهية ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل ، وأما اعتباراً فلأن الشرف لن يكون ملكاً أو قريب ملك ، لكن الإنسان لا يكون ملكاً للسموات والأرضين